السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

225

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

أنت بشيء لم يخطر على بالي ، ثم قال له ما ذا ترى نعمل ؟ فأشار عليه بما تقدم مع تفصيل وتوضيح ، وقال إذا فعلت هذا تؤمن قوت قومك وتأتيك الناس طلبا للميرة من كل مكان ، فتبيعهم الفضل فيجتمع عندك خزائن الأرض ، وتستعبد الناس بما تضع لهم من معروف بصيانة حياتهم من الموت جوعا وما ، تبيعه لهم منة يعدونه صدقة منك لشدة الحاجة إليه ، فقال ومن لي بمن يقوم بهذا العمل العظيم الذي فصلته لي لأنه يحتاج إلى جماعة مدرّبين محنكين يعون ما يعملون ويعلمون عاقبة ما يفعلون فيأمنون مما يعتذر منه « قالَ » يوسف عليه السلام أنا أكفيك ذلك كلّه أيها الملك « اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ » التي يشملها ملكك وخولني ما فيها من أموال وطعام وأنعام وغيرها من جميع أنواع الخراج الذي قننته عليهم لأقوم لك بذلك كما ينبغي إن شاء اللّه « إِنِّي حَفِيظٌ » لها أمين عليها « عَلِيمٌ 55 » بطرق جبايتها وجمعها وحفظها خبير بوجوه تفريقها وتعيين مواردها وتبين مصالحها وكيفية صرفها ، فقال له الملك نعم إني لا أرى أليق منك ولا أحق بذلك ، قالوا فولاه واردات دولته ونفقاتها ( وزارة المالية ) ولا محل للقول هنا بأنه لا يجوز طلب الإمارة فكيف ساغ للسيد يوسف طلبها مع ما هو عليه من النبوة لما جاء في الصحيحين عن عبد الرحمن بن سمرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها ، وإن أوتيتها عن غير مسألة أعنت عليها . لأن هذا إذا لم يتعيّن عليه طلبها ، فإذا تعين وجب عليه طلبها ، وإيضاحا لذلك نضرب مثلا : لو كلف رجل بمنصب القضاء وعرف أنه إذا لم يقبله يعين له من ليس من أهله ، وجب عليه قبوله إياه ، بل يجب عليه طلبه لما في ذلك من الخطر على مصالح المسلمين وغيرهم وضياع حقوقهم ، ولما كان السيد يوسف عليه السلام مرسلا لمصالح الخلق ومكلفا برعاية حقوقهم ومحافظة أمورهم ، وقد علم بإعلام اللّه إياه أن غيره لا يتمكن من ذلك كما يجب ، لا سيما في هذه القضية ، وأن الناس سيترامون بأموالهم وأنفسهم على مصر للميرة منها ، وأنه لا بد لهذه الوظيفة من أمين صادق رؤوف على العباد يقوم بها ، وجب عليه طلبها لأنه إذا لم يقبلها لا يستطيع أحد القيام بها كما ينبغي ويحافظ على حقوق الأمة ويصونها